منتديات الابداع
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي سنتشرف بتسجيلك شكرا Surprised

ادارة المنتدي فجر الرحيل


منتديات الابداع

منتديات الابداع لكل العرب تثقيفية تعليمية ترفيهية
 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 طفرة التمايزات الثقافية الأسباب والنتائج

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فجر الرحيل
المدير العــــام
المدير العــــام


ذكر
الحمل التِنِّين
عدد المساهمات : 1459
تاريخ الميلاد : 16/04/1988
تاريخ التسجيل : 20/03/2010
العمر : 28
المزاج المزاج : رايق

مُساهمةموضوع: طفرة التمايزات الثقافية الأسباب والنتائج   الأربعاء أكتوبر 23, 2013 10:02 pm

رؤية مختلفة ....

طفرة التمايزات الثقافية الأسباب والنتائج





إن نظرة على خريطة العالم في القرن العشرين لتدلل على أن التعدد الثقافي قد أضحى يمثل السمة المميزة لغالبية دول العالم على اختلاف مستوياتها الاقتصادية فلقد كشفت إحدى الدراسات التي أجريت في مطلع السبعينيات عن أنه من بين 132 دولة مستقلة في العالم لا توجد سوى 12 دولة تتمتع بالتجانس الثقافي بينما تتراوح درجة التعدد الثقافي بين 10 50% فيما تبقى من دول[1] وذلك تبعا لمعايير التمايز ومقوماته ونسب الجماعات إلى بعضها وبدرجة تماسك كل منها[2].
هذا وتتنوع أنماط وأشكال التفاعلات المحتملة بين مختلف الجماعات وبعضها البعض تبعا لمجموعتين من العوامل أحداهما تنصرف إلى الأقلية ذاتها وما تتمتع به من خصائص معينة من قبيل الحجم المناسب وتجانس الأعضاء والفعالية التنظيمية والإمكانيات المالية اللازمة والتركز في العاصمة والمدن الكبرى هذا عدا القيادة التي تحدد درجة تشددها أو تسامحها"أو حتى استعدادها للتحول الدائم أو المؤقت بانتمائها" وقدرتها على توظيف العناصر السابقة لمصلحة جماعتها[3] أما الأخرى فإنها تنصرف إلى الجماعة الحاكمة ذاتها وما يشوب علاقتها بالأقلية من عناصر التحامل والتمييز والاضطهاد والصراع وجودا وعدما حيث يمكن القول إنه في ظل النظم الإقطاعية والملكية المطلقة وفي ظل الأزمات والأوقات العصيبة تكون الجماعة الحاكمة أكثر استعدادا لإساءة معاملة الأقلية إذا كانت تنافسها على التحكم في القيم النادرة أو تتمايز عنها بشكل حاد في أي من العناصر الثقافية والايديولوجية[4].
والواقع أن المشاعر الفطرية أو الو لاءات التحتية على حد تعبير د. أنطوان مسرة ليست بالظاهرة الجديدة إذ أنها قد تبلورت منذ فترة طويلة بتأثير تفكك الإمبراطوريات الضخمة، وعدم تلاؤم حدود الدول حديثة الاستقلال مع واقعها الديموجرافي وشيوع الممارسات التمييزية للنخب الحاكمة[5]، على أنه قد أضحى في حجمها واتجاهها شئ من الجدة وجعل البعض يتحدث عن طرفة في تلك المشاعر والولاءات ويبحث من ثم - في العوامل الكامنة وراءها والتي تمثلت في رأيهم فيما يلي
1 - عامل التحديث
لقد كان من المتصور أن التقدم الصناعي الكبير بمستلزماته المختلفة من أسواق ومواد خام وأيدي عاملة سيؤدي إلى إعادة تخطيط الحدود القطرية على أسس إقليمية وربما عالمية أيضا تطويقا لها لأغراض التنمية الأمر الذي يؤدي إلى ضمور الاختلافات الثقافية، كما كان من المتصور أن استقرار الدعوة إلى العلمانية في ضمائر بعض القيادات السياسية سيؤدي إلى صياغة جديدة للعلاقات والتفاعلات لا يعود معها للعامل الثقافي دور يذكر لا سيما وقد قضى تطور وسائل الاتصال أو كاد على الخصوصيات الثقافية للشعوب وهيأ المناخ للتفاهم المتبادل على طريق عالمية الثقافة[6].
ومن ناحية أخرى كان من المفترض أو ارتفاع معدل سكنى المدن وزيادة الإمكانات الاتصالية للدولة واضطراد مؤسساتها السياسية من العوامل التي سوف تنال من المشاعر الفطرية، فالهجرة من الريف إلى الحضر تحمل المهاجر على التكيف مع الوضع الجديد بما يعنيه ذلك من تقوية انتمائه القطري على حساب ما عداه من انتماءات، ثم أن تطور الإمكانيات الاصتالية للدولة يقوي قبضتها على الأقاليم المتطرفة ويمنع نزعاتها الانفصالية ويقضي على كثير من أسباب التحامل الناجم عن نقص معلومات الأفراد عن بعضهم البعض[7]، وأخيرا فإن تزايد
المؤسسية السياسية بما يعنيه من التنظيمات المختلفة يؤدي إلى تكوين علاقات اجتماعية جديدة وارتباطات تتنافس مع الروابط التقليدية[8]. ولكن على عكس المتوقع تفاعلت آثار التحديث على المستويين الدولي والداخلي لتؤدي إلى تكريس ظاهرة الأقليات وتعميق ولاءاتها لجماعاتها. فمن ناحية أسهم التقدم الصناعي وما ارتبط به من سهولة حراك الأيدي العاملة في تأكيد الخصوصية الثقافية للجماعات المختلفة، خاصة أن صاحب المشروع في بحثه عن تحقيق أكبر هامش ممكن للربح عمل على كسر احتكار بعض الأقليات لنوعيات معينة من الأعمال عن طريق جلب العمالة الرخيصة مما يخلق حالة من التنافس يقترن في ظلها تضارب المصالح بالتمايز الثقافي، كما أنه في مواجهة أزمة السلطات الدينية التي ارتبطت بظهور الدول العلمانية برز عدد من المثقفين يدعون إلى التمسك بالمثاليات الثقافية في مواجهة طوفان الماديات[9].
ومن ناحية أخرى لم تؤد زيادة نسبة سكان الحضر إلا إلى التأكيد على المشاعر الفطرية ذلك أن المهاجر إلى المدينة وهو يواجه منذ اللحظة الأولى لوصوله واقعا يلح عليه بمشاكل لا حصر لها من إسكان وعمل لا يكاد يجد ما يدعم موقفه إلا أن يكون جزءا من تنظيم أكبر عادة ما يقوم على أساس وحدة الانتماء الديني أو اللغوي أو العرقي[10]، ثم أن زيادة الاتصالات وما صحبها من مد خدمي قد ساعد الأقاليم على تنظيم نفسها سياسيا هذا عدا ما أدت آلية هذه الزيادة من إبراز أوجه الاختلاف بين أفراد الجماعات وبعضهم البعض، وأخيرا فإن المؤسسية السياسية لم تحدث بدورها الأثر المطلوب خاصة وأن ظهور"الأقلية الطبقة" وتعبيرها عن نفسها في بعض الأشكال التنظيمية قد جاء ليؤكد أن الأقلية لا تستمد وجودها من مجرد المشاعر الفطرية إنما أساسا من المشاعر التمييزية التي تقترن بها وتترتب عليها.
2 - مبدأ حق تقرير المصير
يعتبر الفهم الخاطئ لمبدأ حق تقرير المصير مسئولا إلى حد بعيد

عن طفرة التمايزات الثقافية أو"الصحوة الاثنية" كما يسميها البعض إذ أن توسيع نطاق المبدأ بجعله يسري على الأقليات قد جعل كثيرا من الانتماءات السياسية والحدود القطرية محل تساؤل ومحاجاة من قبل هذه الأقليات ذاتها.
والأصل في مبدأ حق تقرير المصير كما نص عليه في متن المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة أنه مرتبط بمكافحة الظاهرة الاستعمارية سواد في شكلها التقليدي ممثلا في السيطرة الأجنبية أو في شكلها الحديث ممثلا في نظم التمييز العنصري وفي هذا الارتباط ما يخرج به عن التطبيق على الأقليات وهو ما تأكد أكثر في مناقشات الجمعية العامة حيث ورد صراحة عدم جواز الخط بين حق تقرير المصير وبين حقوق الأقليات لأن واضعي الميثاق لم يقصدوا إعطاء هذا الحق للأقليات نظرا للتداخل الجغرافي بين الجماعات في نفس الدولة وعدم استعدادها لحكم نفسها وضعف مواردها وإمكاناتها هذا إلى جانب أن إتاحة حق تقرير المصير للأقليات إنما يشيع حالة من الفوضى في النظام الدولي خاصة وأنه يندر أن تجتمع لدولة كل عناصر التجانس ومقوماته[11].
وعلى الرغم من وضوح مسلك التشريع الدولي في هذا الصدد فقد ذهب فريق من المحللين إلى أن تفريغ مفهوم حق تقرير المصير من محتواه غداة الاستقلال يخرج به عن طابعه الثوري ويخضعه للتعبير عن مبدئين متعارضين[12]، ومثل هذا التحليل كان من شأنه أن يسبغ على حركات الأقليات بعض ما كانت تفتقده من خصائص مثل الشرعية والشمولية والاستمرارية.
3 - اختفاء القيادة الكاريزمية
يعتبر التأكيد على المحتوى الثقافي للأمة أو لبعض أقلياتها أحد البدائل المطروحة أمام القيادات السياسية غير الكاريزمية التي تقصر عن أداء المهام المنوطة بها من تجسيد آمال الأمة ومثالياتها، إلى تخطيط

وتنفيذ التميز الاجتماعي، إلى إدار الصراعات الداخلية وتحجيم التأثيرات الخارجية قدر المستطاع[13].
بهذا المعنى فإن إذكاء الخلاف بين الجماعات الثقافية في نطاق الدولة الواحدة أو ما يطلق عليه"سياسة الصراع المتوازن" يعد وسلة لإلهاء الجماهير عن مظاهر التردي في شرعية القيادة السياسية ومدخلا لاستقطاب جانب من الجماهير إلى صفها أو على الأقل تحييده عند تسوية الخصومات والعداءات السياسية.
ومن ناحية أخرى يعتبر التأكيد على الوحدة الثقافية أحد مسالك تعبئة الجماهير في مواجهة العدوان الخارجي الفعلي أو المختلق، وهنا تجد الأقليات نفسها مرة أخرى مدفوعة إلى الوعي بتمايزها الثقافي وهي تتورط في صراع لا مسوغ له إلا مجرد انتمائها الإقليمي[14] فإذا ما انتقلنا لتبين نتائج ودلالات هذه الطفرة في مشاعر التمايز الثقافي لأمكن لنا في هذا الصدد أن نميز بين اثنين من مستويات التحليل، الأول يعرض نظريا لموضع الأقليات من ظاهرة الاستقرار السياسي ويمكن أن نتبين في داخله أربعة اتجاهات أساسية
الاتجاه الأول: يجعل التجانس الثقافي شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار السياسي وهو ما أشار إليه العلامة ابن خلدون عندما ذكر أن الأوطان التي تكثر قبائلها وعصبياتها قل أن تستحكم فيها دولة وأن تتمتع بالاستقرار السياسي نتيجة اختلاف الأهواء والآراء، وذلك خلافا للأوطان التي تخلو من العصبيات أو تكاد فيقل فيها الهوج والانتفاض على السلطة الحاكمة وتتمتع من ثم بالاستقرار السياسي، وقد ضرب لنا ابن خلدون مثلين لتأكيد وجهة نظره، أحدهما من شمال أفريقيا التي استعصى على العرب تمهيد الدولة فيها إلى ولاية موسى بن نصير نتيجة وجود البربر وكثرة قبائلهم وتواتر انتفاضهم حتى لقد ارتدوا عن الإسلام اثنتى عشر مرة، والآخر من مصر التي كانت خلوا من القبائل والعصبيات فسرعان ما استحكم فيها كلمة العرب المسلمين[15].
وفي صياغة أكثر حداثة لنفس المنطق تحدث بعض علماء السياسية عن أن اختلاف طبيعة التنشئة المبكرة بين الجماعات يؤدي إلى أن يعبر أفراد هذه الجماعات عن اختياراتهم بشكل مختلف، هذا إضافة إلى أن اقتران التعدد الثقافي في بعض الأحيان بالعزل الفعلي أو المفترض لجماعات بعينها عن بعض عوائد نظامها السياسي إنما ينمي شعورها بالتمايز الثقافي، ويجعلها من ثم بمثابة مصدر محتمل لعدم الاستقرار السياسي لأن المساواة هي قيمة في حد ذاتها فضلا عن كونها إحدى الضمانات اللازمة لإشباع الحاجات الأساسية[16]، هذا وتعرف العلاقة بين الحرمان النسبي وبين عدم الاستقرار السياسي باسم نظرية"الإحباط المولد للعدوان".
ولعل من أشهر من عبر عن التصور الصراعي للمجتمعات التعددية كل من فورنيفال وسميث، فلقد وصف فورنيفال المجتمع بأنه"مجتمع ليس له مطلب اجتماعي مشترك" وأن أفراده لا يلتقون ببعضهم إلا في السوق من خلال عمليات البيع والشراء وأنه ما من شيء ينقذ المجتمع التعددي من حالة الصراع التي يعاني منها والتي تتطابق في ظلها الانتماءات الثقافية والطبقية إلا التدخل الخارجي بواسطة واحدة أو أثر من القوى الأجنبية، ولقد أضاف سميث إلى التصور السابق للمجتمع التعددي ملاحظته الخاصة بأن التنوع الثقافي عادة ما يتم التعبير عنه مؤسسيا، الأمر الذي يجعل الصراع أكثر حدة واستمرارية لأنه يكون أكثر نظيما. ولقد تعرضت تلك الإوية الصراعية للمجتمعات التعددية إلى النقد وذلك لكون عضوية الأفراد في نفس الجماعة الثقافية لا تحتم اتفاق أهوائهم ومشاربهم واختياراتهم، كما أن العلاقة بين الجماعات الثقافية وبعضها البعض ليست بالضرورة علاقة صراع وتنافس، إذ أن ذلك يتوقف إلى حد بعيد على جملة عوامل مختلفة من قبيل طبيعة النظام السياسي وطبيعة الظرف التاريخي الذي تتفاعل في إطاره هذه الجماعات[17]، ولعل النقد السابق كان داعيا إلى تمييز بعض المحللين في داخل المجتمعات التعددية بين نموذج محدود التعدد ينقصه الاستقرار السياسي وآخر
شديد التعدد ويتمتع بهذا الاستقرار، ففي النموذج الأول وسواء اتخذ شكل أقلية عددية حاكمة في مواجهة أغلبية عددية تابعة أو العكس فإنه يصعب تحقيق قدر من الرضا السياسي وذلك أو الوضع المقلوب في ظل سيطرة الأقلية العددية يدفع بالأغلبية إلى تحديه من خلال التطوير المستمر لقدراتها، وفي المقابل فإن كون الأقلية العددية تبوء بالخسارة من كل مخرجات النظام السياسي إنما يدفعها إلى التحرك لتغيير شكل التخصيص السلطوي للقيم، أما في النموذج الثاني فإن تعدد الأقليات في المجتمع يتيح للجماعة الحاكمة قدرا أكبر من المرونة في التعامل معها وذلك لكون إرضاء إحداها لا يترتب عليه بالضرورة إحباط أخرى وحتى لو حدث ذلك فإنه لا يكون إحباطا مستمرا منتظما وهو الشرط الذي يجعل عدم الاستقرار السياسي أكثر احتمالا[18].
الاتجاه الثاني: يذهب إلى أن تعدد الانتماءات الثقافية إنما يقل تأثيره السلبي على الاستقرار السياسي وذلك فيما لو اختلف مع طبيعة الانتماءات الاجتماعية - الاقتصادية والسياسية، إذ أن هذا الاختلاف يؤدي إلى زيادة فرص الديمقراطية والاستقرار لما يقترن به من اعتدال في المواقف والسلوكيات، فمن جهة قد يتحقق الاعتدال نتيجة تقاطع الضغوط التي يتعرض لها الأفراد في تفاعهلم مع بعضهم البعض بما يشتت جهودهم ويؤدي إلى ترددهم وفي النهاية إلى اتخاذهم مواقف أقل تشددا، ومن جهة أخري قد يتحقق الاعتدال نتيجة ما يطرأ على التحالفات من تغير مستمر حيث لا يكون هناك أصدقاء دائمين ولا أعداء دائمين لوجود أكثر من محور للتفاعل وتبعا لذلك فإن الأعداء يهادنون بعضهم البعض تحسبا ليوم قد يضطرون فيه إلى التعاون.
ولقد تعرض هذا الاتجاه الذي تبناه بعض المفكرين أمثال سيمور مارتن ليبست ولويس كوسر ودافيد ترومان إلى النقد لجملة أسباب من بينها أنه ليس هناك ما يؤكد بشكل حاسم أن اختلاف الانتماءات وتقاطعها يؤدي إلى الاستقرار السياسي، فمثل هذا الاختلاف لا يجدي إلا في تسوية الصراعات المحدودة دون ما عداها من صراعات خاصة
لو كانت الانتماءات والولاءات المختلفة على نفس المستوى من الأهمية[19].
الاتجاه الثالث: لا يقيم وزنا كبيرا للتجانس الثقافي في تحقيق الاستقرار السياسي وفي هذا الإطار قام بعض المحللين بذكر العوامل المختلفة التي تؤدي إلى تماسك المجتمعات واستقرارها وأسقطوا من بينها عامل التجانس الثقافي، ومن ذلك إشارة هاس على سبيل المثال إلى المصلحة الاقتصادية باعتبارها كانت هي العامل الأساسي وراء وحدة الدول الأوروبية.
على أن الملاحظ أن جانبا من هؤلاء المحللين قد عاد فيما بعد إلى مراجعة موقفه من تحييد تأثير المتغير الثقافي على ظاهرة الاستقرار السياسي، فعندما عاود هاس الكتابة عن نفس الموضوع بعد عشر سنوات أشار إلى أن المصالح البراجماتية التي يدعمها ارتباط ايديولوجي أو فلسفي تكون مصالح وقتية معرضة للزوال ويكون من ثم التكامل الذي ينبني عليها هشا ليس له أساس متين، كما أن انزيوني وأن استمر يشكك في الدلالات السياسية للخصائص الثقافية إلا أنه لم ينكر أن التجانس الثقافي قد يساعد على تحقيق الاستقرار السياسي[20].
الاتجاه الرابع: وإن كان لا ينكر أهمية المتغير الثقافي إلا أنه في تقديره لأهميته في تحقيق الاستقرار السياسي يستخدم مدخلا مختلف إذ هو يعلق أهمية كبيرة على التعاون بين نخب مختلف الجماعات الثقافية وتمثيلها بشكل متساو في عملية صنع القرار الأمر الذي يؤدي إلى ضبط وتحييد الآثار السلبية الناجمة عن تنافس جماعاتهم عن طريق فرض ما يتوصلوا إليه من تسويات على الأعضاء وقد اقترن هذا الاتجاه باسم آرند ليجيبهارت الذي اعتبر ذلك من أفضل مسالك تسوية مشكلة التعدد الثقافي[21]، لكن هذا التصور الأخير قد تعرض للنقد لجملة عوامل من بينها التركيز على السلوك التعاوني الرسمي بين قيادات الجماعات المختلفة وإهمال علاقات القوة وما قد تؤدي إليه من
تنافس فيما بينها، بالإضافة إلى أن هذا الأسلوب يعتبر محدود الفعالية نظرا لما يتصف به من بطء ونقص القدرة على البت في المسائل الهامة وذلك بتأثير ما تتمتع به القيادات من حق الفيتو والتصويت المتبادل، ومن هنا فهو لا يصلح إلا كأسلوب مؤقت لذلك فلقد طرح أسلوب التحكم والضبط القيادي كأسلوب مكمل[22].
بمراجعة الاتجاهات الأربعة السابقة من منظور نقدي يمكن القول إن درجة التعدد الثقافي ليست التي تحدد بالضرورة ما إذا كانت جماعة الأقلية ستكون عنصر تهديد للاستقرار السياسي أم لا إنما نظرة تلك الأقلية لمدى تمتع النظام السياسي بالشرعية، ويعد ما تتعرض له الأقلية من تمييز اجتماعي - اقتصادي وسياسي مكونا أساسيا من مكونات نظرتها لدرجة شرعية النظام السياسي وإقدامها أو"إحجامها" من ثم على تحديها بصورة أو أخري من صور العنف السياسي، خاصة وأنه في نطاق دول العالم الثالث حيث يشترك المواطنون في النضال الوطني من أجل التحرر من الاستعمار تصبح المساواة هي المطلب الطبيعي الذي تلتقي حوله مختلف فئات الشعب وطوائفه وتقوم شرعية السلطة وجودا وعدما من واقع ما تحققه لكل منها من مكاسب، ولقد أثبتت إحدى الدراسات التجريبية التي أجريت على عينة من 19 دولة[23] صحة المقولة السابقة إذ كشفت عن أن عامل التمييز الاجتماعي - الاقتصادي والسياسي كان وراء عنف الأقليات في هذه الدول بعد ما تم تقسيمها إلى أربعة مجموعات أساسية، هي دول ذات معدلات مرتفعة للعنف ودول ذات معدلات منخفضة للعنف ودول ذات معدلات متوسطة للعنف ودول لا تكاد تعاني من العنف بتأثير القهر الحكومي[24]، وفي مواجهة هذا العنف بمستوياته المختلف تكون الجماعة الحاكمة أمام أحد بديلين أحداهما هو إعطاء الجماعات الثقافية المختلف أنصبة متساوية من المراكز المرغوب فيها، والثاني هو الاعتماد على معيار الكفاءة الشخصية وحده في التعيين في هذه المراكز، وعلى الرغم من التعارض الظاهري بين التصورين السابقين إلا أن الأول قد يصلح في المدى القصير لإزالة التوتر
في علاقات الجماعات الثقافية ببعضها البعض بينما يصلح الثاني في المدى الطويل بوصفه الأكثر فعالية[25].
وإذا كان التمييز الاجتماعي - الاقتصادي والسياسي يعد محددا أساسيا لممارسة الأقليات للعنف السياسي من عدمه فإن ثمة عوامل قد تسهل ذلك منها ما يتعلق بالأقليات ذاتها من قبيل مدى تضامنها ودرجة تنظيمها وفعالية قيادتها ومقدار تمتعها بالدعم الأجنببى في تنفيذها لأهدافها ومنها ما يتعلق بالجماعة الحاكمة ذاتها من قبيل مدى التجائها لممارسة القمع بصوره المختلفة إذ أن هذا القمع قد يساعد على تحقيق عدم الاستقرار السياسي على المدى الطويل ولا يمنعه بالضرورة، وذلك في ظل احتمال تراخي قبضة النظام على أجهزته الإكراهية بتأثير ظروف معينة مثل الحرب مما يسمح للأقليات بقدر أكبر من حرية الحركة خاصة وأن منعها من رد الفعل العنيف في مرحلة سابقة يعد في ذاته نوعا من الحرمان الذي تتزايد معه فرص العنف السياسي.
وأخيرا فإن من العوامل التي تسهل عنف الأقليات ما يتعلق بالإطار الدولي ويمكن القول في هذا الصدد أن هناك بعض التطورات الدولية التي تعاونت بالفعل على تمكين الأقليات من تهديد الاستقرار السياسي في مجتمعاتها من خلال شكل أو آخر من أشكال العنف السياسي، ومن بين هذه التطورات أن حجم الدولة وعدد سكانها لم يعد محددا أساسيا لقدراتها الأمنية، وأن نمو التنظيمات فوق القومية كالجماعة الاقتصادية الأوروبية قد جعل بعض الامتيازات الاقتصادية من قبيل الوصول إلى الأسواق الكبيرة وسهولة تبادل المتخصصين والمهنيين في متناول الكيانات الصغيرة، أن تصاعد مخاطر الحرب النووية والمجاعة الدولية واستنفاذ موارد الطاقة قد جعل الأقليات شأن كثير من الجماعات الأخرى أكثر تشددا في المطالبة الآنية بحقوقها وأكثر تمردا على وعود الإصلاح في المستقبل وأخيرا فإن الثورة الاتصالية وفرت لنشاط الأقليات الأثر المطلوب بتغطيته تغطية إعلامية واسعة كما أن التطورات التكنولوجية قد زودت نشاط الأقليات بتكتيكات أكثر فعالية من قبيل تخريب خطوط أنابيب
الغاز والبترول مثلما أمدتها بأسلحة حديثة للتنفيذ من قبيل القنابل البلاستيك صغيرة الحجم والطرود الناسفة[26].
ولعل هذه المجموعة الأخيرة من العوامل المتعلقة بالإطار الدولي قد تعاونت مع إنكار الحاكمة حق أقلياتها في التعبير عن رأيها وتحايل هذه الأخيرة علي ظروفها بوسائل مختلفة لتجعل عنف الأقليات في مقدمة أنواع العنف السياسي الشائعة في العالم وهوما أثبتته الدراسة التي أجريت على عينة من 132 دولة وكشفت من ثم عن وجود عنف الأقليات في 65% من دول العينة، مقابل وجود العنف الطلابي في 53% منها ووجود العنف بسبب الانقلابات العسكرية في 48% ووجود العنف الثوري والمضاد للثورة في 29% منها، ولعل مكمن الخطر ليس في اتساع نطاق عنف الأقليات فحسب، ولكن كذلك في حدة هذا العنف إذا تذهب نفس الدراسة السابقة إلى أن عنف الأقليات قد خلف من ورائه أكبر عدد من القتلى خاصة في دول العالم الثالث"باستثناء الحروب بين الدول" ومن ذلك أن نحو نصف مليون شخص قد لقوا مصرعهم في المذابح بين المسلمين والهنود في أعقاب تقسيم الهند وباكستان في عام 1974"[27].
أما على المستوى الثاني للتحليل والذي نتحري عنده موضع الأقليات من الناحية الفعلية من قدرات النظم السياسية وإمكاناتها فإنه يمكن لنا أن نميز بين اتجاهين أساسيين
الاتجاه الأول: يتبنى الرأي القائل بأنه في غيبة المعاملة التمييزية ضد الأقليات فإنه يمكن لهذه الأخيرة أن تكون إحدى ايجابيات النظام السياسي وإضافاته وعاملا من عوامل صحته النفسية، بعد أ أصبح من المتعذر في ظل تزايد الاعتماد المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد أن تنجو الجماعة الحاكمة من بعض ما قد تلحقه بأقلياتها من ألم ولو من خلال شعور بالذنب يعاودها بين الحين والآخر، ولنتذكر بهذا الخصوص عقدة الذنب التي لا زالت تلاحق الشعب الألماني كأثر من آثار اضطهاد
النازي لليهود هذا إلى جانب أن الأقليات خليقة بأن تؤدي عددا من الوظائف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الهامة، بحيث أن التحامل عليها ومحاولة استيعابها بالقوة يفوت على الجماعة الحاكمة فرصة الانتفاع بهذه الوظائف من جهة، ويفتح الباب لبعض أعمال العنف السياسي من جهة أخرى، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع التكلفة الاقتصادية اللازمة لردع هذا العنف أو تطويقه[28].
فمن الناحية الاجتماعية يمكن أن تكون الأقليات عنصرا من عناصر التجديد في المجتمع، فهي قد تغذيه بدماء جديدة، وتجعله ينفتح على أساليب أخري للحياة وعلى معارف وخبرات جديدة، كما أنها قد تكون عاملا من عوامل الاستقرار وتسكين الصراعات في المجتمع، إذ أن القيادة السياسية عندما تقر بتصاعد موجة السخط على أسلوبها في التخصيص السلطوي للقيم، وفي نفس الوقت لا تتمكن من إشباع كل التوقعات والتطلعات السائدة، فإنها قد تتخير أقلية أو أكثر لتخصها ببعض المنافع والمزايا تحييدا أو كسبا لها خاصة وأن استرضاء الأقلية يعد أكثر سهولة وأقل تكلفة من استرضاء إحدى الطبقات الاجتماعية على سبيل المثال.
ومن الناحية الاقتصادية يمكن للأقليات أن تسهم إسهامات لا بأس به في انعاش اقتصاد الدولة، خاصة وأن التحدى الذي تواجهه يجعلها في حاجة لإثبات وجودها بشكل متجدد من خلال توظيف مهاراتها الطبيعية والمكتسبة والتي لم يأت التقدم التكنولوجي الضخم عليها جميعا ولنتذكر بهذا الخصوص دور الأقلية الإيطالية في انعاش اقتصاديات بعض المدن الاسكتلندية[29]، كما أن الأقليات قد تمارس أحيانا بعض ما يحجم عنه المنتمون للنخبة الحاكمة من أعمال لسبب أو لآخر على الرغم من حاجتهم إليها، ومن ذلك اشتغال اليهود بعمليات الإقراض بالربا حتى فجر التاريخ وإرساؤهم من ثم لواحد من لواحد من أهم الأنشطة المصرفية المتعارف عليها الآن[30].
ومن الناحية السياسية يمكن للأقليات أن تكون من معايير الحكم
على ديمقراطية النظام السياسي لأن في كفالة حقوقها تجديد مستمر لشرعية هذا النظام ولأن في تشكيلها للأحزاب السياسية على غرار حزب كويبك والحزب الليبرالي الكنديين دعم للمؤسسات والتنظيمات الوسيطة[31]، ثم أن الأقليات يمكن أن تكون ركيزة لسياسة حكومية تستهدف الموازنة بين معياري الكفاءة والولاء الشخصي في الترشيح لشغل الوظائف في بعض المجالات الهامة من قبيل مجالي العمل بالجيش والبوليس، وهما من المجالات التي تمس الحاجة بدرجة أكبر إلى ولاء رجالاتها للنظام القائم، الأمر الذي يفسر لنا استعانة النظامين السوري والمغربي ببعض أقلياتهما تحقيقا لهذا الغرض كما أن الأقليات تصلح لأن تكون البديل المطروح لتجسيد هوية الدولة، وهي في هذه الحالة قد لا تكون أكبر الأقليات ولا أقواها، إنما يكتفى فقط بألا تكون طرفا في صراع داخلي بحيث لا يثير اختيارها حفيظة الأطراف المتصارعة، وفي هذا الإطار كان اختيار الجماعة البوذية"الاشوكا" رمزا للدولة الهندية حرصا على تحقيق التكامل القومي ودعما له.
وحتى في المجال الخارجي فإن الأقليات سيما لو كانت لها امتداداتها في أكثر من دولة واحدة قد تحكون أداة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية وذلك فيما لو تصورنا أن الدولة المعنية وهي تستعد لمهاجمة دولة أخرى قد تلجأ إلى استثمارة بعض أقلياتها لإثارة نوع من عدم الاستقرار السياسي فيها يسهل عليها مهمتها ويكفيها بعض الخسائر المحتملة. ولنتذكر بهذا الخصوص استخدام الورقة الكردية في الصراع العراقي - الإيراني، هذا فضلا عن أن الأقليات قد تؤدي دورا آخر بالترويج لسياسية معينة داخل دولة المقر استجابة لتأثيرات معينة يقع مصدرها خارج الحدود[32].
الاتجاه الثاني: ويتبنى الرأي القائل بأن الأقليات تعد من سلبيات النظام السياسي ويصادر عنها كل ما ينسب إليها من إضافات في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيما يتعلق بالمجال الاجتماعي فإن الأقليات قد تكون عنصرا من عناصر التوتر والصراع لأن تقديم بعض

التنازلات الاقتصادية للأقلية قد لا يكون عوضا عن استرضاء إحدى الطبقات الاجتماعية، وذلك فيما لو أدركنا أنه قد يحدث تطابق بين الانتمائين الثقافي والطبقي في كثير من الأحيان، بحيث أنه مثلما يكون في استرضاء أقلية معينة كسب لطبقتها فإنه يكون في الإجحاف بحق أقلية أخرى غبن أيضا لطبقتها.
وفيما يتعلق بالمجال الاقتصادي فإن وجود الأقليات كثيرا ما يؤثر بشكل سلبي على التنمية القومية الشاملة، قد يقتصر هذا التأثير على عرقلة التنمية القومية وقد يجاوز ذلك إلى إيقافها تماما، وهو ما يعتمد على نوعية المطالب التي تتقدم بها الأقلية للنخبة السياسية وكذا على طبيعة رد فعل النخبة السياسية عليها وما يحدثه ذلك من أثر عكسى ولعله قد يتسنى لنا تبين علاقة الأقليات بالتنمية القومية بصورة أوضح من خلال الاستعانة بنموذج تحليل النظم والذي تتقدم من خلاله الأقليات شأنها شأن باقي فئات المجتمع بمطالب سياسية أو اقتصادية أو ثقافية للنخبة الحاكمة من خلال القنوات الشرعية مثل الأحزاب السياسية والتنظيمات الاجتماعية وعندئذ يتخذ رد فعل النخبة على هذه المطالب واحدا من الأشكال الثلاثة التالية
- أما أن يكون قرار النخبة هو تقديم تسهيلات معينة للأقلية وهذا النوع من القرارات على ندرته إلا أنه يؤدى إلى تشتيت الصراع بين مختلف الجماعات وبعضها البعض بدلا من تكثيفه وتصعيده.
- وأما أن يكون قرار النخبة هو انزال عقوبة معينة بالأقلية مما يحرض هذه الأخيرة على الالتجاء إلى العنف السياسي.
- وأما أن يكون قرار النخبة مزيجا من المنح والمنع الأمر الذي قد يساعد على تأجيل الصراع بين الأقليات وبعضها البعض وبينها وبين النخبة الحاكمة ولكنه على الأرجح لا يصفيه[33].
بهذا المعنى يمكن القول أنه استثناء النوعية الأولى من القرارات فإن النخبة الحاكمة فيما لو لم تبادر بمعالجة نواحي القصور في سياستها تجاه أقلياتها فإن التنمية الاقتصادية بل والتنمية القومية الشاملة لا يتهيأ لها المناخ المناسب للتنفيذ سواء باستثارة دواعي التدخل الأجنبي أو بإشاعة مناخ من الشك وعدم التأكد يحجم معه أصحاب رؤوس الأموال عن توظيفها في المشروعات الإنمائية، هذا فضلا عن استنزاف موارد الدولة وتحويلها عن أغراض التنمية إلى الأغراض الأمنية وللنموذج السوداني دلالاته الواضحة في هذا الشأن.
وفيما يتعلق بالمجال السياسي فإن الأقليات قد تكون من أسباب انتشار الفساد السياسي بصوره المختلفة من رشوة وعمولات ومحاباة وتمييز وشراء أصوات الناخبين وفي نفس الوقت فإن وجود مثل هذا الفساد السياسي يعرقل التكامل القومي ويعوقه وتقدم لنا الأقليات الصينية في جنوب شرق آسيا والأقليات البربرية في المغرب نموذجا لهذه العلاقة بشقيها[34].
وأخيرا فإنه فيما يتعلق بمجال الأمن القومي والسياسة الخارجية فإن سلبيات الأقليات وما تنطوي عليه من تهديدات ومخاطر التدخل الأجنبي إنما تثير إشكاليات ثلاثة أساسية إحداها تختص بتحديد درجة فعالية تأثير الأقليات المعينة على السياسة الخارجية لدولة المقر، بعبارة أخرى فإن من الضروري أن يتساءل المحلل للبعد الأمني لظاهرة الأقليات عن من الذي يوظف الآخر ويستخدمه، هل هي دولة المقر التي تطوع الانتماء السابق للأقليات لدواعي أمنها القومي، أم أن هذه الأقليات ذاتها هي التي تطوع السياسة الخارجية لدولة المقر نزولا على متطلبات انتمائها الذي لا ينفصم بدولة الأصل، تساؤل تفرضه أكثر من خبرة من الخبرات التاريخية المعاصرة، ومن بينها الخبرة الأوروبية في التعامل مع الأقلية اليهودية والتي يظل موقفها من سياسات الدولة التي يقيم بها أبناؤها رهنا بدرجة توافقها مع مصلحة الدولة الصهيونية التي تستقطب انتماءهم على اختلاف لغاتهم وأصولهم، على أن ما ينبغي التأكيد عليه
إنما هو الحذر من التعامل مع تأثير الأقلية المعنية على السياسة الخارجية لدولة المقر بوصفه تأثيرا مطلقا لكون هذا التأثير محكوم وجودا وعدما بعدد من الاعتبارات الأساسية، من قبيل قدرة القيادة السياسية على تحييد المؤثرات والضغوط الداخلية استرشادا بعامل المصلحة القومية ومن قبيل الفرقة بين الجماعات الثقافية ودرجة تأثريها على نوعية خياراتها السياسية[35].
الإشكالية الثانية تتعلق بتأثير التكوين الثقافي للمؤسسة العسكرية على الأمن القومي للدولة، وهو التكوين الذي قد يراعي فيه أي من المناهج الثلاثة التالية
- المنهج الفردي الذي يسترشد بمعيار الكفاءة الذاتية دون سواه.
- منهج الثقافة الواحدة المسيطرة والذي تهيمن بموجبه جماعة ثقافية واحدة على المؤسسة العسكرية.
- منهج التعدد الثقافي الذي يأخذ بنظام التمثيل النسبي لمختلف الأقليات وذلك تمشيا مع نسبة كل منها إلى إجمالي السكان[36].
ولعل هذا المنهج الأخير في تشكيل المؤسسة العسكرية هو الأكثر ارتباطا بسلبيات الأقليات والأكثر تعبيرا عنها أيضا، حيث يظل التساؤل مطروحا عن المدى الأمنى الذي يمكن فيه لهذه الأقليات كافة أن تلتزم بالحيدة وضبط النفس في صراعات الدولة في الداخل والخارج إذا ما كان المنتمون إليها يدخلون طرفا في تلك الصراعات بدرجة أو بأخرى، يضاف إلى هذا أن منهج التعدد الثقافي في تشكيل المؤسسة العسكرية يجعل من الانقلاب العسكري الذي قد تقوم به إحدى أقليات هذه المؤسسة لتغيير شكل نظام الحكم فاتحة لسلسلة طويلة من الانقلابات المضادة تقوم بها الأقليات الأخرى في ظاهرة أشبه ما تكون بالمراجعة المستمرة لشكل العلاقة بين مختلف الجماعات في المجتمع، وتقدم لنا أوغندة وسوريا
والعراق بعض نماذج لدول يظهر فيه التأثير السلبي لطبيعة تكوين مؤسساتها العسكرية على نظمها السياسية[37]. الإشكالية الثالثة والأخيرة ترتبط بحق دولة الأصل في التدخل في الشئون الداخلية لدولة المقر حماية لمصالح الأقليات التي تنتمي إليها وهو الأمر الذي يكتسب مشروعية في نظر بعض الأطراف، خاصة مع غيبة التدابير الفعالة التي تكفل احترام مبادئ المنظمة الدولية التي تقضي بمنع التمييز بسبب العرق أو الدين أو اللون أو الاتجاه السياسي وكذلك بمنع تصفية الأقليات جسديا أو ترحيلها إجباريا[38].
الخلاصة: لقد تعاونت عوامل التحديث وظهور مبدأ حق تقرير المصير واختفاء القيادة الكاريزمية لتجعل من التعدد الثقافي أحد الملامح الأساسية المميزة لدول العالم المتقدم والنامي سواء بسواء، ولقد اتخذ المحللون من تلك التعددية مدخلا لمحاولة تفسير ظاهرة أكثر اتساعا وشمولا وهي ظاهرة الاستقرار السياسي فمنهم من أقام بين التغيرين علاقة آلية، ومنهم من أقام بينهما علاقة محكومة في ظهورها وتطورها بعدد من المتغيرات الوسيطة، ومنهم أخيرا من فصل بينهما بعد أن جعل للانتماء الاجتماعي وليس الثقافي القول الفصل في شأن الاستقرار السياسي للدولة.
والواقع أن نظرة على توزيع الجماعات الثقافية على مختلف دول العالم تنبئنا أنه ليس حجم هذه الجماعات ولا نوعها هو الذي يتحكم في الاستقرار السياسي إنما يفعل تسيبس الاختلافات الثقافية واتخاذها سندا لتمييز جماعة على أخرى، وهو عين ما يحدد ما إذا كانت الأقليات ستصبح إحدى إضافات النظام السياسي تغذية بدماء جديدة وتنعش اقتصاده وتؤكد ديمقراطيته وتكون أداته لتنفيذ أهدافه الخارجية، أو ستصبح إحدى نقائصه على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
لهوامش
Walker Connor, Nation Building or Nation Destroying, Op. Cit., 20. - 1
2 - Pierre Van Den Berghe, Pluralisme Sociale et Culturelle, Lahiers Internationaux de Sociology, Volumen 18, No. 43 Jullet - Decembre 1967, pp. 76 - 77.
3 - Yoare Nagel, Suzan Obzak, Ithnic Moblization in New and Old States: An Exctension of the Competition Model, Social Problems, Volume 30, No. 2, December 1982, PP. 128 - 129. Joseph Rotschild, Ethnopolitics: A Conceptual Framework, New York: Columbia University Press, 1981, PP. 139 - 149.
4 - Robert K. Merton & Robert A. Nisbet, Contem - porary Social Problems: An Introduction to the Sociology of Deviant Behavior and Social Organization, New York : Har - court, Brace & World Inc., 1961, p. 3.
6 - Anthony Smith, The Ethnic Revival in the Modern World, New York: cambridge University Press, 1981, PP. 1 - 134.
7 - Stephen Bochner bultures in contact, New York : Pergamon Press, 1982, P. 53. Iliya Hariek, The Ethnic Revolution and Political Integration in the Middle East, Interational of the Middle East, studies, Volume 3, No, July 1972, P. 304.

8 - The Political Elite as a Strategic Minority in, Fouad J. Khuri"ed", Leadership and Development in Arab Society, Beirut: American University Press, 1981, P. 71.
9 - Anthony Smith Op. Cit., PP. 134 - 135. Walker Connor, Nation Building or Nation Destroying?, Op. Cit., PP. 324 - 326.
10 - Suzan Olzak, Ethnicity and Theories of Ethnic collective Behavior, in, Louis Kreisberg"ed". Research in Social Movements, Conflicts and Change, Volume 8, London : YAI Press Inc., 1985, P. 131.
11 - Anya Peterson Royce, Ethnic Identity, Strategies of Diversity, Bloomington: Indiana University Press, 1982, PP. 38 - 41.
12 - أوريليوس كريستيكو، حق تقرير المصير، تطوره التاريخي والراهن من خلال صكوك الأمم المتحدة، نيويورك: الأمم المتحدة، 1981 ص ص 3 - 4، ص ص 8 - 19، ص ص 30 - 32. Walker Connor, Self Determination: The New Phase, World Politics, Volume 20, No. 1, October 1967, P. 1047.
13 - - - - - , The Politics of Ethnonationalism, Journal of International Affairs, Volume 27, No. 1, 1979, P. 12.
14 - جلال معوض، علاقة القيادة بالظاهرة الإنمائية، دراسة في المنطقة العربية، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1985، ص ص 13 - 15.
15 Anthony Smith, Op. Cit., P. 124. -
16 - عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، القاهرة: المطبعة الخيرية، 1904، ص90.

17 - جلال معوض، ظاهرة عدم الاستقرار السياسي وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية في الدول النامية، مجلة العلوم الاجتماعية، مارس 1983، ص ص 138 - 139
. D. G. Morison & H. M. Stevenson, Culural Pluralism, Modernization and Conflict: An Emperical Analysis of Sources of Political Instability in African Nations, Canadian Jurrnal of Political Science, Volume 24, No. 4, December 1980, P. 617.
18 - Malcolm Cross, On Conflict, Race Relations and the Plural Society, Race, Volume 12, No. 4, April 1971, PP. 477 - 478.
George Burdeau, Traite de Science Politique, Tome 3, La Dynamique Politique , 2e Deition, Paris: Librairis de Droit et de Jurispudence, 1968, P. 541.
19 - Joseph Rotschild, Op. Cit., PP. 70 - 71. Nicholsa R. Miller, Pluralism and Social Choice, The American Political Science Review, Volume 77, No. 3, September 1983, P. 737.
20 - Arend Lyphart, Cultural Diversity and Theories of Political Integration, Canadian Journal of Political Science, Volume 4, No. 1, March 1971, P. 5.
Nicholas R. Miller, Op. cit., PP. 235 - 237.
Aric Nordlinger, Conflict Regulation in Divided Societies, Massachustts: Harward University Center for International Affairs, 1972, PP. 93 - 94, P. 100.
21 - Arend Lyphart, Op. Cit., PP. 6 - 7.


22 - Ibid., PP. 9 - 14.
23 - Yan Lustick, Stability in Deeply Divided Societies, Consociationalism Versus Control, Wold Politics, Volume 31, No. 3, April 1979. PP. 328 - 338.
24 - Christopher Hervitt, Op. Cit., 150 - 160.
25 - Michael Banton, Op. Cit., PP. 390 - 391.
26 - Ekkart Zimmerman, Political Violence, Crises and Revolutions: Theories and Research, Boston : Gk Hall & Co. 1983, PP. 123 - 124.
27 - Fred Von Der Mehden, Comparative Politcal Violence, Englewood Cliffs: Prentice - Hall Inc., 1983, PP. 69 - 70.
28 - George Simpson & Milton Yinger, Racisl and Cultureal Minorities: An Analysis of Prejudice and Discrimination, New York : Harper & Row, 4th Editon, 1972, PP. 234 - 236.
- 29 يتحفظ البعض على القول بأن التحدي الذي يواجه الأقلية يحدوها لزيادة الإنتاج باعتبار أن اساءة معاملتها يؤدي إلى انصرافها عن العمل أو على الأقل إلى انخفاض إنتاجيتها مما يزيد التكلفة الاقتصادية للإنتاج
R. T. Hon, Lord Grimond, The Value of Minorities, in Ben Whitaker & Others"eds", Op. Cit., P. 56.
30 - Marcel Bernfeld, La Sionisme[


[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]





[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
طفرة التمايزات الثقافية الأسباب والنتائج
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الابداع  :: منتدى البحوث-
انتقل الى: